فصل: الآية رقم ‏(‏68 ‏:‏70‏)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏53 ‏:‏ 54‏)‏

‏{‏ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ‏.‏ ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ويستخبرونك ‏{‏أحق هو‏}‏ أي المعاد بعد صيرورة الأجسام تراباً ‏{‏قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين‏}‏ أي ليس صيرورتكم تراباً بمعجز اللّه عن إعادتكم كما بدأكم من العدم ‏{‏فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون‏}‏، وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر اللّه تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ، ‏{‏وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم‏}‏، وفي التغابن‏:‏ ‏{‏زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم وذلك على اللّه يسير‏}‏، ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب اللّه بملء الأرض ذهباً، ‏{‏وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط‏}‏ أي بالحق ‏{‏وهم لا يظلمون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏56‏)‏

‏{‏ ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون ‏.‏ هو يحيي ويميت وإليه ترجعون ‏}‏

يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة،

وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار‏.‏

 الآية رقم ‏(‏57 ‏:‏58‏)‏

‏{‏ يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ‏.‏ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ‏}‏

يقول تعالى ممتناً على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم‏}‏ أي زاجر عن الفواحش، ‏{‏وشفاء لما في الصدور‏}‏ أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ‏{‏وهدى ورحمة‏}‏ أي يحصل به الهداية

والرحمة من اللّه تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء‏}‏ الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا‏}‏ أي بهذا الذي جاءهم من اللّه من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به، ‏{‏هو خير مما يجمعون‏}‏ أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏59 ‏:‏60‏)‏

‏{‏ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون ‏.‏ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ‏}‏

قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ نزلت إنكاراً على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلوا للّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا‏}‏ الآيات، وقد أنكر اللّه تعالى على من حرم ما أحل اللّه، أو أحل ما حرم بمجرد الأراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها، ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال‏:‏ ‏{‏وما ظن الذين يفترون على اللّه الكذب يوم القيامة‏}‏ أي ما ظنهم أن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة‏؟‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن اللّه لذو فضل على الناس‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد ‏{‏لذو فضل على الناس‏}‏ فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع، ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في ديناهم أو دينهم، ‏{‏ولكن أكثرهم لا يشكرون‏}‏ بل يحرمون ما أنعم اللّه به عليهم، ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضاً حلالاً وبعضاً حراماً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏61‏)‏

‏{‏ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ‏}‏

يخبر تعالى نبيّه صلى اللّه عليه وسلم أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته، وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين، كقوله‏:‏ ‏{‏وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين‏}‏، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة، ‏{‏وما من دابة في الأرض إلا على اللّه رزقها‏}‏ الآية، وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة‏؟‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه‏}‏ أي إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإحسان‏:‏ ‏(‏أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك‏)‏

 الآية رقم ‏(‏62 ‏:‏ 64‏)‏

‏{‏ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏.‏ الذين آمنوا وكانوا يتقون ‏.‏ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ‏}‏

يخبر تعالى أن أولياءه ‏{‏الذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏ كما فسرهم بهم، فكل من كان تقياً، كان اللّه ولياً ف‏{‏لا خوف عليهم‏}‏ أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، ‏{‏ولا هم يحزنون‏}‏ على ما وراءهم في الدنيا‏.‏ وقال عبد اللّه بن مسعود‏:‏ أولياء اللّه الذين إذا رأوا ذكر اللّه ورد هذا القول في حديث مرفوع رواه البزار عن ابن عباس قال، قال رجل‏:‏ يا رسول اللّه من أولياء اللّه‏؟‏ فذكره وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من عباد اللّه عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء‏)‏، قيل‏:‏

من هم يا رسول اللّه لعلنا نحبهم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏هم قوم تحابوا في اللّه من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس‏)‏

ثم قرأ‏:‏ ‏{‏ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير عن أبي هريرة ورواه أبو داود قي سننه‏"‏، وقال الإمام أحمد، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏، قال‏:‏ ‏(‏الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له‏)‏ وقال الإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه أرأيت قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ فقال‏:‏ ‏(‏لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له‏)‏؛ وعن أبي ذر الغفاري رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏ يا رسول اللّه‏:‏ الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏تلك عاجل بشرى المؤمن‏)‏ ‏"‏رواه مسلم وأخرجه أحمد عن أبي ذر‏"‏‏.‏ وعن عبد اللّه بن عمرو عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا‏}‏ الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير، وقد روي عن جمع من الصحابة والتابعين تفسير البشرى بالرؤيا الصالحة ‏.‏ وقال ابن جرير، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏{‏لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة‏}‏ - قال - في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة‏)‏ وروي موقوفاً عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏ الرؤيا الحسنة بشرى من اللّه وهي من المبشرات ، وقال ابن جرير، عن أم كريز الكعبية‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ذهبت النبوة وبقيت المبشرات‏)‏؛ وقيل‏:‏ المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون‏}‏، وفي حديث البراء رضي اللّه عنه‏:‏ إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب، فقالوا‏:‏ اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء ‏.‏ وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لا تبديل لكلمات الله‏}‏ أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة، ‏{‏ذلك هو الفوز العظيم‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏65 ‏:‏ 67‏)‏

‏{‏ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ‏.‏ ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ‏.‏- هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ‏}‏

يقول تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏ولا يحزنك‏}‏ قول هؤلاء المشركين واستعن باللّه عليهم وتوكل عليه فإن ‏{‏العزة للّه جميعا‏}‏ أي جميعاً له ولرسوله وللمؤمنين، ‏{‏هو السميع العليم‏}‏ أي السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم؛ ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئاً، لا ضراً ولا نفعاً ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم، ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي يستريحون فيه من نصبهم وكلالهم وحركاتهم، ‏{‏والنهار مبصرا‏}‏ أي

مضيئاً لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم، ‏{‏إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون‏}‏ أي يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏68 ‏:‏70‏)

‏{‏ قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون ‏.‏ قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ‏.‏ متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ‏}‏

يقول تعالى منكراً على من ادعى أنه له ‏{‏ولداً سبحانه هو الغني‏}‏ أي تقدس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه ‏{‏له ما في السماوات وما في الأرض‏}‏، أي فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له ‏{‏إن عندكم من سلطان بهذا‏}‏ أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان ‏{‏أتقولون على اللّه ما لا تعلمون‏}‏‏؟‏ إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولدً * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً‏}‏، ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولداً، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلاً ‏{‏ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ‏}‏،

كما قال تعالى ههنا‏:‏ ‏{‏متاع في الدنيا‏}‏ أي يوم القيامة، ‏{‏ثم نذيقهم العذاب الشديد‏}‏ أي الموجع المؤلم ‏{‏بما كانوا يكفرون‏}‏ أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على اللّه فيما ادعوه من الإفك والزور‏.‏

 الآية رقم ‏(‏71 ‏:‏73‏)‏

‏{‏ واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ‏.‏ فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ‏.‏ فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ‏}‏

يقول تعالى لنبيّه صلوات اللّه وسلامه عليه‏:‏ ‏{‏واتل عليهم‏}‏ أي أخبرهم واقصص عليهم، أي

على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك، ‏{‏نبأ نوح‏}‏ أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم اللّه ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك، ‏{‏إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم‏}‏ أي عظم عليكم ‏{‏مقامي‏}‏ أي فيكم بين أظهركم، ‏{‏وتذكيري‏}‏ إياكم ‏{‏بآيات اللّه‏}‏ أي بحججه وبراهينه، ‏{‏فعلى اللّه توكلت‏}‏ أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا، ‏{‏فأجمعوا أمركم وشركاءكم‏}‏ أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون اللّه من صنم ووثن، ‏{‏ثم لا يكن أمركم عليكم غمة‏}‏ أي ولا تجعلوا أمركم عليكم متلبساً، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إليَّ ولا تنظرون، أي ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء، كما قال هود لقومه‏:‏ ‏{‏فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على اللّه ربي وربكم‏}‏ الآية‏.‏ وقوله ‏{‏فإن توليتم‏}‏ أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ‏{‏فما سألتكم من أجر‏}‏ أي لم أطلب منكم على نصيحتي إياكم شيئاً، ‏{‏إن أجري إلا على اللّه وأمرت أن أكون من المسلمين‏}‏ أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام للّه عزَّ وجلَّ، والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكذبوه فنجيناه ومن معه‏}‏ أي على دينه ‏{‏في الفلك‏}‏ وهي السفينة، ‏{‏وجعلناهم خلائف‏}‏ أي في الأرض، ‏{‏وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين‏}‏ أي فانظر يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏74‏)‏

‏{‏ ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم فجاؤوهم بالبينات‏}‏ أي بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاؤوهم به، ‏{‏فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل‏}‏، أي فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونقلب أفئدتهم وأبصارهم‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك نطبع على قلوب المعتدين‏}‏ أي كما طبع اللّه على قلوب هؤلاء، فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا يطبع اللّه على قلوب من أشبههم ممن بعدهم، ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم؛ والمراد أن اللّه تعالى أهلك الأمم المكذبة وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح عليه السلام، فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام، إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام، فبعث اللّه إليهم نوحاً عليه السلام، قال ابن عباس‏:‏ كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح‏}‏ الآية، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيّد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره اللّه تعالى من العذاب والنكال، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك‏؟‏

 الآية رقم ‏(‏75 ‏:‏78‏)‏

‏{‏ ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملإيه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ‏.‏ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين ‏.‏ قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون ‏.‏ قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ثم بعثنا‏}‏ من بعد تلك الرسل ‏{‏موسى وهارون إلى فرعون وملئه‏}‏ أي قومه، ‏{‏بآياتنا‏}‏ أي حججنا وبراهيننا، ‏{‏فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين‏}‏ أي استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له وكانوا قوماً مجرمين، ‏{‏فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين‏}‏،

كأنهم قبحهم اللّه أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا‏}‏ الآية، ‏{‏قال‏}‏ لهم ‏{‏موسى‏}‏ منكراً عليهم ‏{‏أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا‏}‏ أي تثنينا ‏{‏عما وجدنا عليه آباءنا‏}‏ أي الدين الذي كانوا عليه، ‏{‏وتكون لكما‏}‏ أي لك ولهارون ‏{‏الكبرياء‏}‏ أي العظمة والرياسة ‏{‏في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين‏}‏‏.‏ وكثيراً ما يذكر اللّه تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون في كتابه العزيز، لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فسخره القدر‏:‏ أن رُبّي على فراشه بمنزلة الولد ثم ترعرع وعقد اللّه له سبباً أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، ولم تزل الآيات تقوم على يدي موسى شيئاً بعد شيء، ومرة بعد مرة، مما يبهر العقول، ويدهش الألباب، ‏{‏وما تأتيهم من آية إلا هي أكبر من أختها‏}‏ وصمم فرعون وملأه قبحهم اللّه على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة، حتى أحل اللّه بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين، ‏{‏فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد للّه رب العالمين‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏79 ‏:‏ 82‏)‏

‏{‏ وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم ‏.‏ فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ‏.‏ فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ‏.‏ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ‏}‏

ذكر تعالى قصة السحرة مع موسى عليه السلام، وما أراده فرعون من معارضة الحق المبين، ‏{‏وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون‏}‏، وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل ‏{‏قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى‏}‏، فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، ‏{‏فأوجس في نفسه خفية موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى‏}‏، فعند ذلك قال موسى لما ألقوا‏:‏ ‏{‏ما جئتم به السحر إن اللّه سيبطله إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين * ويحق اللّه الحق بكلماته ولو كره المجرمون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏83‏)‏

‏{‏ فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملإيهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ‏}

يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات، والحجج القاطعات والبراهين الساطعات، إلا قليل من قوم فرعون من الذرية، وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون لعنه اللّه كان جباراً عنيداً مسرفاً في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة يخاف رعيته منه خوفاً شديداً‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الذرية التي آمنت لموسى من غير بني إسرائيل من قوم يسير ‏(‏منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه‏)‏، وعنه‏:‏ ‏{‏فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه‏}‏ يقول‏:‏ من بني إسرائيل، وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏إلا ذرية من قومه‏}‏ هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم، واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل، لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين، وفي هذا نظر، لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب، وأنهم من بني إسرائيل، والمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبه المتقدمة، وأن اللّه تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه، ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى، ‏{‏قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا‏}‏، وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل ‏{‏على خوف من فرعون وملئهم‏}‏ أي وأشراف قومهم أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان، ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى‏:‏

 الآية رقم ‏(‏84 ‏:‏ 86‏)‏

‏{‏ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ‏.‏ فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ‏.‏ ونجنا برحمتك من القوم الكافرين ‏}

يقول تعالى مخبراً عن موسى أنه قال لبني إسرائيل‏:‏ ‏{‏يا قوم إن كنتم آمنتم باللّه فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين‏}‏ أي فإن اللّه كاف من توكل عليه، ‏{‏أليس اللّه بكاف عبده‏}‏، ‏{‏من يتوكل على اللّه فهو حسبه‏}‏، وكثيراً ما يقرن اللّه تعالى بين العبادة والتوكل، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاعبده وتوكل عليه‏}‏، وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك فقالوا‏:‏ ‏{‏على اللّه توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين‏}‏ أي

لا تظفرهم وتسلطهم علينا فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك، هكذا روي عن أبي الضحى، وقال مجاهد‏:‏ لاتعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك فيقول قوم فرعون‏:‏ لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنوا بنا‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ لا تسلطهم علينا فيفتنونا، وقوله‏:‏ ‏{‏ونجنا برحمتك‏}‏ أي خلصنا برحمة منك وإحسان ‏{‏من القوم الكافرين‏}‏ أي الذين كفروا الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏87‏)‏

‏{‏ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ‏}‏

يذكر تعالى سبب انجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن اللّه تعالى أمر موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يتبوآ، أي يتخذا لقومهما بمصر بيوتاً، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واجعلوا بيوتكم قبلة‏}‏، فقال ابن عباس‏:‏ امروا أن يتخذوها مساجد، وقال الثوري، عن إبراهيم‏:‏ كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا بكثرة الصلاة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة‏}‏، وفي الحديث‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ‏"‏أخرجه أبو داود‏"‏، ولهذا قال تعالى في هذه الآية‏:‏ ‏{‏واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين‏}‏، أي بالثواب والنصر القريب، وقال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال، قالت بنو إسرائيل عليه السلام‏:‏ لا نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن اللّه تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبل القبلة‏.‏

 الآية رقم ‏(‏88 ‏:‏ 89‏)‏

‏{‏ وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ‏.‏ قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون ‏}

هذا إخبار من اللّه تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلماً وتكبراً وعتواً، قال موسى‏:‏ ‏{‏ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة‏}‏ أي من أثاث الدنيا ومتاعها، ‏{‏وأموالا‏}‏ أي جزيلة كثيرة ‏{‏في‏}‏ هذه ‏{‏الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك‏}‏ أي ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، وليظن من أغويته أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم ‏{‏ربنا اطمس على أموالهم‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ أي أهلكها، وقال الضحاك‏:‏ اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت، وقال قتادة‏:‏ بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة، وقوله‏:‏ ‏{‏واشدد على قلوبهم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي اطبع عليها ‏{‏فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضباً للّه ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجيء منهم شيء، كما دعا نوح عليه السلام فقال‏:‏ ‏{‏رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‏}‏، ولهذا استجاب اللّه تعالى لموسى عليه السلام فيهم هذه الدعوة التي أمَّن عليها أخوه هارون، فقال تعالى‏:‏ ‏{‏قد أجيبت دعوتكما‏}‏، قال أبو العالية وعكرمة‏:‏ دعا موسى وأمن هارون، أي قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، ‏{‏فاستقيما‏}‏ أي كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري، قال ابن عباس‏:‏ فاستقيما‏:‏ فامضيا لأمري وهي الاستقامة، قال ابن جريج‏:‏ يقولون إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة، وقيل‏:‏ أربعين يوماً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏90 ‏:‏ 92‏)‏

‏{‏ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين ‏.‏ آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ‏.‏ فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ‏}‏

يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده، فإن بين إسرائيل لما خرجوا من مصر وهم فيما قيل ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، اشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده اللّه تعالى بهم، فلحقوهم وقت شروق الشمس، ‏{‏فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون‏}‏، أي كيف المخلص مما نحن فيه‏؟‏ فقال‏:‏ ‏{‏كلا إن معي ربي سيهدين‏}‏، فأمره اللّه تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه، انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ألف، فلما رأى ذلك هاله، وأحجم وهاب وهمَّ بالرجوع، وهيهات ولات حين مناص، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم، لا يترك منهم أحداً إلا ألحقه بهم، فلما استوسقوا فيه وتكاملوا، وهمَّ أولهم بالخروج منه أمر اللّه القدير البحر أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم، فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك‏:‏ ‏{‏آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين‏}‏، فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ‏{‏فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا‏}‏، ولهذا قال اللّه تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال‏:‏ ‏{‏آلآن وقد عصيت قبل‏}‏ أي أهذا الوقت تقول، وقد عصيت اللّه قبل هذا قيما بينك وبينه‏؟‏ ‏{‏وكنت من المفسدين‏}‏ أي في الأرض، ‏{‏وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون‏}‏، وهذا الذي حكى اللّه تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله، ذلك من أسرار الغيب التي أعلم اللّه بها رسوله صلى اللّه عليه وسلم، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل، عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل - قال، قال لي جبريل‏:‏ لو رأيتني وقد أخذت من حال حال البحر‏:‏ طينه الأسود البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة‏)‏ ‏"‏ورواه الترمذي وابن أبي حاتم وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية‏}‏، قال ابن عباس وغيره من السلف‏:‏ إنَّ بعض بني إسرائيل شكّوا في موت فرعون، فأمر اللّه البحر أن يلقيه بجسده سوياً بلا روح، ليتحققوا من موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏فاليوم ننجيك‏}‏ أي نرفعك على نشز من الأرض ‏{‏ببدنك‏}‏، قال مجاهد‏:‏ بجسدك، وقال الحسن‏:‏ بجسم لا روح فيه، وقوله‏:‏ ‏{‏لتكون لمن خلفك آية‏}‏ أي لتكون لبني إسرائيل دليلاً على موتك وهلاكك، وأن اللّه هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، ‏{‏وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون‏}‏ أي لا يتعظون بها ولا يعتبرون بها، وقد كان إهلاكهم يوم عاشوراء كما قال ابن عباس‏:‏ قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال‏:‏ ‏(‏ما هذا اليوم الذي تصومونه‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه‏:‏ ‏(‏وأنتم أحق بموسى منهم فصوموه‏)‏ ‏"‏رواه البخاري عن ابن عباس‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏93‏)‏

‏{‏ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ‏}‏

يخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية، وقوله‏:‏ ‏{‏مبوأ صدق‏}‏ قيل‏:‏ هو بلاد مصر والشام مما يلي بين المقدس ونواحيه، فإن اللّه تعالى لما أهلك فرعون وجنوده، استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها‏}‏، وقال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏كذلك وأورثناها بني إسرائيل‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏كم تركوا من جنات وعيون‏}‏ الآيات، ولكن استمروا مع موسى عليه السلام طالبين إلى بلاد بيت المقدس، وهي بلاد الخليل عليه السلام فاستمر موسى بمن معه طالباً بيت المقدس، وكان فيه قوم من العمالقة، فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم، فشردهم اللّه تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه هارون، ثم موسى عليهما السلام، وخرجوا بعدهما مع يوشع بن نون ففتح اللّه عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها إلى أن أخذها منهم بختنصر حيناً من الدهر، ثم انتزعها الصحابة رضي اللّه عنهم من يد النصارى، وكان فتح بيت المقدس على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وقوله‏:‏ ‏{‏ورزقناهم من الطيبات‏}‏ أي الحلال من الرزق الطيب النافع المستطاب طبعاً وشرعاً، وقوله‏:‏ ‏{‏فما اختلفوا حتى جاءهم العلم‏}‏ أي ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد ورد في الحديث‏:‏ أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار‏.‏ قيل من هم يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ما أنا عليه وأصحابي‏)‏،

‏"‏رواه الحاكم بهذا اللفظ وهو في السنن والمسانيد‏"‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك يقضي بينهم‏}‏ أي يفصل بينهم ‏{‏يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏94 ‏:‏ 97‏)‏

‏{‏ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ‏.‏ ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ‏.‏ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ‏.‏ ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ‏}‏

قال قتادة بلغنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا أشك ولا اسأل‏)‏، وهذا تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم صلى اللّه عليه وسلم موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل‏}‏ الآية، ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلك ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ أي لا يؤمنون إيماناً ينفعهم، بل حين لا ينفع نفساً إيمانها، ولهذا لما دعا موسى على فرعون وملئه قال‏:‏ ‏{‏فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏98‏)‏

‏{‏ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه أو أكثرهم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا حسرة على العباد ما يأيتهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون‏}‏‏.‏ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏عرض عليَّ الأنبياء فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والبني يمر معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد‏)‏ ثم ذكر كثرة أتباع موسى عليه السلام، ثم ذكر كثرة أمته صلوات اللّه وسلامه عليه كثرةً سدَّت الخافقين، والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس، وهم أهل نينوى وما كان إيمانهم إلا تخوفاً من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم، بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم فعندها جأروا إلى اللّه واستغاثوا به وتضرعوا له، واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا اللّه تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم؛ فعندها رحمهم اللّه، وكشف عنهم العذاب وأخروا‏:‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين‏}‏‏.‏ وقال قتادة في تفسير هذه الآية‏:‏ لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب، إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم، وظنوا أن العذاب قد دنا منهم قذف اللّه في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى اللّه أربعين ليلة، فلما عرف اللّه الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف عنهم العذاب‏.‏

 الآية رقم ‏(‏99 ‏:‏ 100‏)‏

‏{‏ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ‏.‏ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ‏}

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء ربك‏}‏ يا محمد لأذن أهل الأرض كلهم في الإيمان، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏أفأنت تكره الناس‏}‏ أي تلزمهم وتلجئهم، ‏{‏حتى يكونوا مؤمنين‏}‏ أي ليس ذلك عليك ولا إليك ‏{‏ليس عليك هداهم ولكن اللّه يهدي من يشاء‏}‏، ‏{‏إنك لا تهدي من أحببت‏}‏، ‏{‏فإنا عليك البلاغ وعلينا الحساب‏}‏، ‏{‏لست عليهم بمصيطر‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن اللّه تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن اللّه ويجعل الرجس‏}‏ وهو الخبال والضلال ‏{‏على الذين لا يعقلون‏}‏ أي حجج اللّه وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل‏.‏

 الآية رقم ‏(‏101 ‏:‏ 103‏)‏

‏{‏ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ‏.‏ فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ‏.‏ ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ‏}

يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه، وما خلق اللّه في السماوات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، وما أنزل اللّه منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخّر مذلل للسالكين، بتسخير القدير لا إله إلا هو رب العالمين، وقوله‏:‏ ‏{‏وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون‏}‏ أي‏:‏ وأي شيء تغني الآيات السماوية والأرضية، والرسل بآياتها وحججها وبراهينها الدالة على صدقها، عن قوم لا يؤمنون، كقوله‏:‏ ‏{‏إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم‏}‏، أي فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمد من النقمة والعذاب إلا مثل أيام اللّه في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلهم، ‏{‏قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين * ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا‏}‏، أي ونهلك المكذبين بالرسل، ‏{‏كذلك حقا علينا ننج المؤمنين‏}‏ حقاً أوجبه اللّه تعالى على نفسه الكريمة، كقوله‏:‏ ‏{‏كتب ربكم على نفسه الرحمة‏}‏، وكما جاء في الصحيحين‏:‏ ‏(‏إن اللّه كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي‏)‏

 الآية رقم ‏(‏104 ‏:‏107‏)‏

‏{‏ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ‏.‏ وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ‏.‏ ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ‏.‏ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم ‏}‏ يقول تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏{‏قل يا أيها الناس إن كنتم في شك‏}‏ من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف الذي أوحاه اللّه إليَّ، فأنا لا أعبد الذين تعبدون من دون اللّه، ولكن أعبد اللّه وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم، ثم إليه مرجعكم،

فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون اللّه حقاً فأنا لا أعبدها، فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو اللّه وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين، وقوله‏:‏ ‏{‏وأن أقم وجهك للدين حنيفا‏}‏، أي أخلص العبادة للّه وحده حنيفا أي منحرفاً عن الشرك، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ولا تكونن من المشركين‏}‏، وهو معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏وأمرت أن أكون من المؤمنين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن يمسسك اللّه بضر‏}‏ الآية، فيه بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى اللّه تعالى وحده، روى الحافظ بن عساكر، عن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات ربكم، فإن للّه نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وهو الغفور الرحيم‏}‏ أي لمن تاب إليه ولو من أي ذنب كان حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏108 ‏:‏ 109‏)‏

‏{‏ قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ‏.‏ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ‏}‏

يقول تعالى آمراً لرسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يخبر الناس، أن الذي جاءهم به من عند اللّه هو الحق الذي لا مرية فيه، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفعه على نفسه، ومن ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ‏{‏وما أنا عليكم بوكيل‏}‏، أي وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين وإنما أنا نذير لكم، والهداية على اللّه تعالى، وقوله‏:‏ ‏{‏واتبع ما يوحى إليك واصبر‏}‏ أي تمسك بما أنزل اللّه عليك وأوحاه إليك، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ‏{‏حتى يحكم اللّه‏}‏ أي يفتح بينك وبينهم، ‏{‏وهو خير الحاكمين‏}‏ أي خير الفاتحين بعدله وحكمته‏.‏